الشيخ محمد رشيد رضا
26
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 107 : 103 ) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ * قال الأستاذ الامام رحمه اللّه تعالى ما مثاله : إن اللّه تعالى قد وضع لنا بفضله ورحمته قاعدة نرجع إليها عند تفرق الأهواء واختلاف الآراء ، وهي الاعتصام بحبله ولذلك نهانا عن التفرق بعد الأمر بالاعتصام ، الذي قلنا في تفسيره : انه تمثيل لجمع أهوائهم وضبط إراداتهم . ومن القواعد إلمسلمة : انه لا تقوم لقوم قائمة إلا إذا كان لهم جامعة تضمهم ووحدة تجمعهم وتربط بعضهم ببعض ، فيكونون بذلك أمة حية كأنها جسد واحد ، كما ورد في حديث « مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وثعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى » رواه أحمد ومسلم من حديث النعمان بن بشير . وحديث « المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا » رواه الشيخان والترمذي والنسائي من حديث أبي موسى . فإذا كانت الجامعة الموحدة للأمة هي مصدر حياتها ، سواء أكانت مؤمنة أم كافرة ، فلا شك أن المؤمنين أولى بالوحدة من غيرهم لأنهم يعتقدون أن لهم إلها واحدا يرجعون في جميع شؤونهم إلى حكمه الذي يعلو جميع الأهواء ويحول دون التفرق والخلاف . بل هذا هو ينبوع الحياة الاجتماعية لما دون الأمم من الجمعيات حتى البيوت - العائلات - ولما كان لكل جامعة وكل وحدة حفاظ يحفظها أرشدنا سبحانه وتعالى إلى ما نحفظ به جامعتنا التي هي مناط وحدتنا - وأعنى بها الاعتصام بحبله - فقال ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) فالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر حفاظ الجامعة وسياج الوحدة وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى « منكم » هل معناه : بعضكم ، أم « من » بيانية ؟ ذهب مفسرنا - الجلال - إلى الأول ، لأن ذلك فرض كفاية . وسبقه إليه الكشاف وغيره . وقال بعضهم : بالثاني ، قالوا : والمعنى : ولتكونوا أمة تأمرون بالمعروف